غانم قدوري الحمد

62

محاضرات في علوم القرآن

وقد أتاحت حركة الفتوح أن يلتقي المسلمون من التابعين تلامذة الصحابة ، رضي اللّه عنهم ، وكانوا من قبائل شتى وفيهم العربي وغير العربي ، وكانوا يتدارسون القرآن ، وكان كل واحد يقرؤه على نحو ما تعلمه من الصحابي ، فتراجعوا في بعض وجوه القراءات ، وادّعى بعضهم أن قراءته أصح من قراءة غيره . وكانت مظاهر تلك الحالة أشد وضوحا في خلافة عثمان بن عفان ، رضي اللّه عنه ، وتنقل الروايات التاريخية صورا متعددة لذلك الاختلاف في القراءة ، فمن ميادين القتال إلى ميادين التعليم « 1 » . وتكاثرت أخبار ذلك الاختلاف ووصلت إلى مسامع الخليفة في المدينة ، ومعه كبار الصحابة ، مما جعلهم يفكرون في الوسائل التي يمكن أن تحافظ على النص القرآني وتمنع وقوع الاختلاف فيه . وكانت كتابة القرآن في الأمصار تعتمد على قراءات الصحابة الذين نزلوا فيها ، فكان أهل الكوفة يكتبون مصاحفهم على قراءة عبد اللّه بن مسعود « 2 » ، وكان أهل دمشق قد كتبوا مصحفهم على قراءة أبي الدرداء « 3 » ، وهكذا في بقية الأمصار ، وكانت تلك المصاحف تعكس الاختلاف الذي ظهر في القراءة ، وكانت تعتمد على الجهد الفردي في الغالب ، ولم يتوافر لشيء منها ما كان قد توافر للصحف التي جمع فيها زيد بن ثابت القرآن في خلافة أبي بكر الصديق . قال ابن عطية : « وانتشرت في خلال ذلك صحف في الآفاق كتبت عن الصحابة ، كمصحف ابن مسعود ، وما كتب عن الصحابة بالشام ، ومصحف أبيّ ، وغير ذلك ، وكان في ذلك اختلاف حسب الأحرف السبعة التي أنزل القرآن عليها » « 4 » . برزت إذن بشكل واضح مشكلة اختلاف المسلمين في قراءة القرآن ووجود

--> ( 1 ) ينظر الطبري : جامع البيان 1 / 27 ، وابن أبي داود : كتاب المصاحف ص 12 - 14 . ( 2 ) ابن أبي داود : كتاب المصاحف ص 137 . ( 3 ) المصدر نفسه ص 155 . ( 4 ) المحرر الوجيز 1 / 65 .